المنظمات الإنسانية تحذر والسياسيون يرحبون.. انقسام نمساوي حول إصلاح اللجوء الأوروبي الجديد
النمسا ميـديـا – فيينا:
قوبل بدء سريان إصلاح نظام اللجوء الأوروبي الجديد بتباين ملحوظ في ردود الأفعال داخل النمسا بين المنظمات الإنسانية والكنسية من جهة، والمسؤولين السياسيين من جهة أخرى؛ فبينما يرى البعض فيه فرصة لإرساء مزيد من النظام والضبط، أبدى غالبية ممثلي الهيئات الإغاثية مخاوف شديدة من تقويض سيادة القانون وحقوق الإنسان، وذلك نقلاً عن وكالة الأنباء النمساوية (APA) ووكالة الأنباء الكاثوليكية (Kathpress).
مخاوف إنسانية وكنسية من تعقيد الإجراءات
أوضحت الأمينة العامة لمنظمة كاريتاس (Caritas)، Anna Parr، أن إصلاح نظام اللجوء والهجرة الأوروبي المشترك (GEAS) يحمل في طياته القدرة على تنظيم ملف اللجوء، لكنها حذرت في الوقت ذاته من أنه قد يؤدي إلى “مزيد من التعقيد، والشكوك الجديدة، والعقبات الإضافية أمام الأشخاص الباحثين عن الحماية”. وشددت Parr على أن هذا الإصلاح لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يأتي على حساب سيادة القانون وحقوق الإنسان.
من جانبه، جاء رد فعل الراهب والمبشر Emanuel Huemer أكثر حدة، حيث انتقد الإصلاح بشدة معتبراً إياه تشريعاً لسياسة الإغلاق والعزل الأوروبية، وقال: “الممارسات المسيحية تقتضي نهجاً مغايراً”، مؤكداً على ضرورة أن تنصب الجهود على حماية الحقوق غير القابلة للتصرف وكرامة كل إنسان.
توحيد القواعد وتشديدها ومكتسبات للقصر
يأتي هذا الجدل إثر دخول حزمة قوانين نظام اللجوء الأوروبي المشترك (GEAS) حيز التنفيذ، والتي تهدف إلى توحيد وتشديد قواعد اللجوء في الاتحاد الأوروبي. وتشمل القوانين الجديدة آلية تضامن إلزامية لتخفيف العبء عن الدول الأكثر تأثراً بموجات اللجوء، كما استُبدلت اتفاقية “دبلن 3” بـ “لائحة إدارة اللجوء والهجرة”، والتي تلزم بتقديم طلب اللجوء في بلد الدخول الأول وتصعّب الانتقال إلى دول أوروبية أخرى.
أما على الصعيد المحلي في النمسا، فسيتم كبح لم شمل العائلات عبر نظام المحاصصة (الكوتا)، وإدخال وضع قانوني جديد لجوء، والتوسع في الإجراءات السريعة. وفي المقابل، سُجل تحسن ملموس في حقوق القصر غير المصحوبين بذويهم، حيث تقرر منحهم حق الرعاية والمشاهدة القانونية منذ اليوم الأول لوصولهم بعد نقاشات استمرت لسنوات.
عقبات عملية وتحذيرات من مراكز الاحتجاز
وأشارت منظمة كاريتاس، عبر منصة Bluesky، إلى ظهور تحديات عملانية أولى مع دخول القوانين حيز التنفيذ؛ حيث يتعين على المستشارين القانونيين التعامل مع وضع قانوني معقد لإنفاذ الإجراءات القديمة والجديدة بالتوازي، فضلاً عن تقليص فترات تقديم الطعون وبقاء مصطلحات قانونية فضفاضة دون تفسير واضح، مما يصعّب على طالب اللجوء فهم حقوقه والدفاع عنها.
وفي السياق ذاته، أكد Emanuel Huemer، الناشط منذ سنوات في دعم اللاجئين عبر مسار البلقان مع مبادرة “SOS Balkanroute”، أن السياسات الجديدة تحول ملف الهجرة إلى حقل تجارب لتقويض الضمانات القانونية، منتقداً التوسع في إجراءات الحدود، وأنظمة الاحتجاز والمخيمات، وخطط إنشاء “مراكز العودة” (Return Hubs) في دول ثالثة، مؤكداً أن هذه التدابير لن تحل الانتهاكات الحالية أو عمليات الصد غير القانونية (Pushbacks) عند الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
مواقف الأساقفة والمستوى السياسي
وفي غياب البيانات الرسمية الجماعية من الكنيسة الكاثوليكية، عبر أسقف إنسبروك، Hermann Glettler، خلال عظاته عن قلقه البالغ متسائلاً عن مدى التزام المجتمع بالمسؤولية الإنسانية وصون كرامة طالبي الإغاثة بدلاً من تحويلهم إلى مجرد أرقام أو مجرمين محتملين. وبدورها، طالبت الأسقفة الإنجيلية، Cornelia Richter، ومديرة منظمة “دي اكوني” (Diakonie)، Maria Katharina Moser، النمسا بالالتزام الصارم باتفاقية جنيف للاجئين، مؤكدتين أن حماية الأشخاص في حالة حدوث محنة أمر غير قابل للتفاوض.
وعلى الجانب السياسي، رحب مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة، Magnus Brunner (عن حزب الشعب النمساوى ÖVP)، بالقانون الجديد واصفاً إياه في تصريح لـ (APA) بأنه “بداية لسياسة لجوء حازمة وعادلة”، كما وصفه وزير الداخلية، Gerhard Karner (ÖVP)، بأنه “علامة فارقة”. وفي المقابل، انتقد حزب الحرية النمساوي (FPÖ) على لسان رئيسه، Herbert Kickl، والنائبة الأوروبية، Petra Steger، هذه الإصلاحات واعتبروها غير كافية، مطالبين بحماية صارمة للحدود الخارجية وإعادة المهاجرين فوراً.
تراجع طلبات اللجوء وأرقام عالمية
تزامنت هذه التطورات مع استمرار تراجع طلبات اللجوء في النمسا؛ حيث سُجل في الفترة من يناير إلى أبريل 2026 تقديم 3,397 طلباً، بانخفاض قدره 45% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وكان من بينها 1,410 طلبات لأشخاص وافدين حديثاً، بينما تعود بقية الطلبات لأطفال وُلدوا داخل النمسا لطالبي لجوء.
وعلى المستوى الدولي، تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) إلى أن نهاية عام 2025 شهدت اضطرار 117.8 مليون شخص حول العالم للفرار من منازلهم بسبب الحروب والاضطهاد والانتهاكات، من بينهم 42.5 مليون لاجئ، و67.8 مليون نازح داخلي، و8.4 مليون طالب لجوء، مما يعني أن فرداً واحداً من بين كل 70 شخصاً في العالم يعد اليوم ضحية للجوء والنزوح.



